ابن الحسن النباهي الأندلسي

235

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

إلى أحد إلى انصرافه ، فيكون من رأي القاضي الإشهاد والتسجيل لصاحب الحقّ ، فيفعل بعد تقدّم الإمام إليه ، ذلك لازم أو لا ؟ أترى حكمه ماضيا ؟ قال : « نعم ! أراه لازما ماضيا » . قال ابن رشد : هذا بيّن على ما قال ؛ لأنّه لم يعزله ، وإنما نهاه عن الحكم ؛ والتسجيل ليس بحكم ، فله أن يسجّل بما قد تقدّم حكمه به قبل أن يأمره بالتوقّف عن الحكم . وفي « الواضحة » : إنّ الإمام ، إذا أمر القاضي أن يدع الحكم في أمر قد شرع فيه عنده ، فله أن يدع ذلك إذا لم يتبيّن له حقّ أحدهما ؛ فلا يدع ذلك إلّا بعزل . وهو قول سحنون . هذا ، وباللّه التوفيق ! وقد مرّ الكلام أيضا في اسم المصعب بن عمران « 1 » ، عند قصّة العبّاس بن عبد الملك أيّام خلافة هشام بن عبد الرحمن بن معاوية . وحاصلها أنّ الأمير أرسل إليه مع خليفة له من أكابر فتيانه بعزمة منه ، يقول له : « لا بدّ أن تكفّ عن النظر في هذه القصّة ؛ لأكون أنا الناظر فيها » . فلما جاءه وأبلغه عزمته ، أمره بالقعود ، ثمّ أخذ قرطاسا ، فسوّاه وعقد فيه حكمه وأنفذه لوقته بالإشهاد عليه ؛ ثمّ قال للرسول : « اذهب إلى الأمير - أصلحه اللّه - فأعلمه أني قد أنفذت ما لزمني من الحقّ خوف الحادثة على نفسي ورهبة من السؤال عنه ، إن شاء تنقّضه ، فذلك له ! فليتقلّد منه ما أحبّ » فوافق هذا العمل الجزل من المعصب - رحمه اللّه - نصّ « الواضحة » ، وجرى في ميدانه على الطريقة الحميدة . وسمّيت فصول المقالات المنعقدة عند القضاة قبل التسجيلات ( وهي التي تستفتح بها الخصومات ) محاضر ، على ما حكاه محمد بن حارث ؛ واحدها محضرة ليلزمها من هذا الاسم عند العلماء المتقدّمين ؛ وهو مأخوذ من « حضور » الخصمين بين يدي القاضي . واختلف في اللفظ الذي تفتتح به تلك الفصول ، فكتب بعضهم : « حضرني فلان » ؛ لأنّ تلك الصحيفة عنده وفي ديوانه ، فكأنّه مخاطب لنفسه ، ومذكّر لها بما كان بين يديه . وكتب بعضهم يكتب : « قال القاضي : فلان بن فلان ، ببلد كذا : حضرني فلان » . وكان بعضهم يكتب : « قال القاضي : حضرني » . قال عيسى : وهذا كلّه عندي إذا كتب بخطّ يده ؛ وأما إن كتب عنده كاتب ، فلا يكتب : « حضرني » ؛ لأنّه

--> ( 1 ) تقدم ذلك ( ص 66 - 67 ) .